ابن أبي الحديد
105
شرح نهج البلاغة
( 9 ) الأصل : إذا أقبلت الدنيا على قوم أعارتهم محاسن غيرهم ، وإذا أدبرت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم . * * * الشرح : كان الرشيد أيام كان حسن الرأي في جعفر بن يحيى يحلف ، بالله أن جعفرا أفصح من قس بن ساعدة ، وأشجع من عامر بن الطفيل ، وأكتب من عبد الحميد بن يحيى ، وأسوس من عمر بن الخطاب ، وأحسن من مصعب بن الزبير - وكان جعفر أوليس بحسن الصورة ، وكان طويل الوجه جدا - وأنصح له من الحجاج لعبد الملك ، وأسمح من عبد الله بن جعفر ، وأعف من يوسف بن يعقوب ، فلما تغير راية فيه أنكر محاسنه الحقيقية التي لا يختلف اثنان أنها فيه ، نحو كياسته وسماحته ، ولم يكن أحد يجسر أن يرد على جعفر قولا ولا رأيا ، فيقال : إن أول ما ظهر من تغير الرشيد له أنه كلم الفضل بن الربيع بشئ فرده عليه الفضل ، ولم تجر عادته من قبل أن يفتح فاه في وجهه ، فأنكر سليمان بن أبي جعفر ذلك على الفضل ، فغضب الرشيد لانكار سليمان ، وقال : ما دخولك بين أخي ومولاي ؟ كالراضي بما كان من الفضل ثم تكلم جعفر بشئ قاله للفضل ، فقال الفضل : اشهد عليه يا أمير المؤمنين ، فقال جعفر : فض الله فاك يا جاهل ! إذا كان أمير المؤمنين الشاهد ، فمن الحاكم المشهود عنده ؟ فضحك الرشيد ، وقال : يا فضل ، لا تمار جعفرا ، فإنك لا تقع منه موقعا .